
قصة قصيرة أرجو ان تنال متعة القراءة أوّلا وقبل كلّ شيء كمشاركة في المسابقة:
حكى لي أبي
رحيل العلي
كان يا ما كان في الجبلاحتضر الشّتاء وغدا ربيعا في حضرة قافلة النّور الّتي جعلت الشّمس تخجل من الظّهور وأضاءت صفحة السّماء بقناديل الحب السّرمديّ الّذي لا شهوة فيه ولا رغبة غير بذرة تزرع في القلب عند الميلاد...تكبر فيه مع مرور الزّمن وتصبح شجرة تزهر وتثمر فهي والإيمان خليلان وفيّان لا يفترقان مهما جارت الأيّام سواء تعذّبنا بالحضور أو بالغياب...نتغنّى به حدّ الانتشاء.
غطّى الثّلج الكثيف كلّ الآثار الّتي تركتها ملحمة ليلة أمس وأصبحت (الدّشرة ) صامتة لا حياة فيها وكأنّ الجميع ما يزالون نياما أو ماتوا مع من استشهدوا اللّيلة الماضية فقد حسمت ( الطّيّارة الصّفرا ) المعركة أخيرا وسكنت العاصفة بعد أن خرّ آخر الرّجال صريعا تحت وابل النّيران.
ليست أسطورة أو مبالغة تلك الّتي تتغنّى بها نساء ذلك الزّمن عن الفتية الّذين خرجوا ولم يعد أيّ منهم ليخبرنا كيف استشهد الرّفاق.
هدأ كلّ الضّجيج فلا دوي انفجارات ولا قصف ولا رصاص يصل صداه من الجبل والوادي المتاخمين ( للدّشرة )...لا دخان ولا دماء ولا جثث متناثرة هنا وهناك...صمت الرّيح وسكنت كلّ حركة في الأجواء...ترى...أين اختفى أسود المرابطين؟...
بدأت أبواب الخشب القديم تفتح والتحق القرويون الواحد تلو الآخر بصاحب الرّأس الأصلع والعيون الزّرق...هرولت النّساء حافيات يحضّرن أنفسهنّ لوصلة الزّغاريد والغناء على الأرواح المسافرة للبعيد...قال ( الدّا حمّود ): ــ احفروا برفق سنجدهم نياما تحت الثّلج...
وقف شامخا...لفّ جسده العاري إلاّ من ( قندورته ) ببرنوسه النّاصع البياض تاركا رأسه الأصلع لجليد الصّبح يهدّئ من ثورة القلق الّتي زمجرت داخله...ينتظر بشارة العثور على جسد علي.
اختبأ الحزن بين طيّات ثوب يرفل بتراتيل مسيرة خضراء نحو النّعيم يقودها الإبن البار وحيد والده...
سيجد أمّه في انتظاره تفتح له ذراعي الشّوق...تعوّضه عن سنين الحرمان وثدي لم يذق طعم عسله وثريده يوما...هكذا فكّر ( الدّا حمّود ). بعد ساعات اصطفّ الشّهداء في آخر طابور لهم على صفحة البياض تلك بوجوههم النّاعمة...السّاكنة فلا تحيّة ولا نشيد ممّا كان يغنّى قبل المعركة...عمّ الخشوع المكان وحلّقت حمامات ( الدّشرة ) بسلام للرّاحلين.
دوّى صوت ( الدّا حمّود ) : ــ أين علي؟
قال أحدهم مشفقا :ــ لم نعثر عليه...بحثنا في كلّ مكان...
جنّ جنونه ورمى ببرنوسه بعيدا...أشاحت النّساء بأبصارهنّ جانبا وصار هو يحفر بكلتا يديه وسط الثّلج الكثيف...ثمّ توقّف منهارا بعد أن أيقن أنّ ابنه جرح وأخذ أسيرا في نهاية المعركة فولده لم يكن يوما جبانا ليهرب من المواجهة...رفع يده معطيا للرّجال الإذن بدفن الشّهداء في المكان الّذي سقطوا فيه كبّروا وصدحت حناجر النّساء بالزّغاريد وأنشدن مؤرّخات لذلك اليوم المجيد :
أسّي أسّي أسّي يمّا ما تبكيش
طالع للجبل نموت وما نولّيش
الله الله الله ربّي رحيم الشّهداء
بعد أيّام وردت الأخبار من داخل الثّكنة العسكرية بأنّ عليّا عذّب لأيّام وبقي ينزف بجراحه إلى أن أسلم الرّوح أخيرا.
هجع ( الدّا حمّود ) ليلتها قرير العين فقد استشهد ولده من غير أن يبوح بأسرار رفاقه...هاهو يثبت لشيوخ الدّشرة ورجالها أنّ العبرة ليست بكثرة الأولاد فوحيده خاض معركتين...تلك الّتي غطّت آثارها عاصفة الثّلج وأخرى تحت التّعذيب الّذي يصعب على الكثيرين الصّمود أمام بشاعته ولا إنسانية ممارسيه...صاح الدّيك وتنحنح والدي وسكت عن باقي الحكايات.الدّشرة معناها القرية
الدّا معناها كبير العائلة
قندورته هي قميص طويل أو ثوب وهو من تقاليدنا
أسّي معناها اسكتي او اصمتي
ما نولّيش معناها لن اعود
الطيارة الصفرا. اسم نطلقه على الطائرة التي كانت تقوم. بالقصف
قندورته هي قميص طويل أو ثوب وهو من تقاليدنا
أسّي معناها اسكتي او اصمتي
ما نولّيش معناها لن اعود
الطيارة الصفرا. اسم نطلقه على الطائرة التي كانت تقوم. بالقصف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق